Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 1 فبراير, 2010

عاقبة الشرك:
ولكن في الماضي كانت الدعوة إلى التوحيد تواجه عقبة عظيمة هي فتنة الشرك، ولم يكن في ذلك الوقت الشرك عبارة عن عقيدة شخصية لفرد ما بل كانت العقيدة المسيطرة على كافة جوانب الحياة الفكرية والاجتماعية للإنسان، وكان اختيار التوحيد عقيدة معناه مواجهة فتنة عظيمة  تبدأ بالاضطهاد والقهر والعذاب وتنتهي بالتشريد والقتل وعلى سبيل المثال عندما أعلن السحرة في زمن فرعون الإيمان: } آمَنَّا بِرَبِّ هاَرُونَ وَمُوسَى { [طه:70]. كان جواب فرعون: } فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى { [طه : 71].
وهكذا الحال كان من أصحاب الأخدود مع الذين آمنوا بالله وحده: } وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ { [البروج :8].
كان هذا هو جزاء أهل التوحيد في عصور الظلمات عندما كان الشرك مرتبطًا أشد الارتباط بكل جوانب الحياة الدينية والاجتماعية، وعندما بعث الرسول الخاتم واجه وأصحابه الموقف نفسه من قومه الذين كانوا يدينون بالشرك، ولقد تعرض بالهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وكان غاية الهجرة هي الحصول على الأمن لعبادة الله وتوحيده التي كانت غير ممكنة في مكة في ذلك الوقت وهو ما يسمى في العصر الحديث ب(حرية العبادة)، ولقد دلَّل القرآن على هذا: } الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ { [الحج: 40].
فلم تكن هجرة الرسول والصحابة لأسباب سياسية، ولم يكن الرسول والصحابة يمثلون دور المعارض السياسي لقريش بل كان الباعث دينيًّا بحتًا وهو حرية العبادة وتبليغ الرسالة الإلهية للناس، وذلك ما رفضت قريش السماح به لرسول الله r حتى وصل الأمر إلى حدد التآمر على قتله ولكن الله فتح باب النصرة لرسوله في المدينة وقصة ذلك أن الرسول عندما شعر باستحالة تبليغ الرسالة في مكة طلب النصرة والحماية من كافة قبائل العرب لهذا الأمر ومن أجل ذلك كانت رحلته للطائف وعرضه لنفسه على أحياء العرب في مواسم الحج كما ورد في كثير من الروايات في السيرة وعلى سبيل المثال، عندما عرض نفسه على قبيلة بني عامر بن صعصعة فقال لهم: “إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي ولا أكره أحدًا منكم على شئ”[1].
ولقد وافق الوفد من القبيلة في البداية معلنين ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك وسنمنعك حتى تبلِّغ رسالة ربك ولكن منعهم من ذلك بحيرة بن فراس من قبيلتهم: “أتعمدون إلى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤونه وتنصرونه فبئس الرأي رأيتم”[2].
ولهذا السبب وحده أمر الله بالقتال لإزالة الشرك الجارح: } وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ { [الأنفال: 39].
ولقد فسر الصحابي عبد الله بن عمر هذه الآية في ضوء سياقها التاريخي، فميز بين القتال لإزالة فتنة الشرك، والقتال لأغراض سياسية، وهو الأمر الذي جهله كثير من بعده، لقد ورد في البخاري أن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثًا حسنًا، قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، حَدِّثْنَا عن القتال في الفتنة والله يقول: } وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ {.
فقال (عبد الله): “هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك، إنما كان محمد  r يقاتل المشركين وكان الدخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك” وحين دعى للمشاركة في الفتنة التي وقعت في زمن عبد الله بن الزبير وتليت عليه الآية: } وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  …{ قال: “قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله” وفي رواية أخرى قال عبد الله بن عمر “فعلنا ذلك على عهد رسول الله r حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة” هذه الروايات كلها قد وردت في صحيح البخاري[3].
وكان ذلك أعظم تغيير حدث في التاريخ الإنساني لأن الله قد أراد بإرسال الرسول الخاتم إخراج الناس من الظلمات إلى النور: } الـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ { [إبراهيم: 1].
ولقد تحقق هذا الوعد الإلهي عندما أصبح التوحيد ظاهرًا في الأرض وأصبح اختياره عقيدة لا تنجم عنه فتنة ما، ولم تعد للشرك السيطرة التي كانت له في الماضي وأصبح عبارة عن اختيار شخص.
وفي مثل هذا الجو ساد الدين الإسلامي وانتشر في بقاع الأرض ودخل الناس فيه أفواجًا في كل زمن حتى هذا الوقت، وبوسع الإنسان المسلم في ظل مبدأ حرية العبادة أن يعيش في دول غير مسلمة وأن يزاول عبادته بمساعدة السلطة القائمة التي تكفل حرية الدين والعبادة للجميع.
إن رسالة الدعوة والجهاد يجب أن تقوم الآن بكل قوة وليدفع فيها الغالي والرخيص دون حاجة إلى سفك الدماء بل إن المطلوب هو العكس تمامًا وهو تجنب أي عمل يؤدي إلى إعادة الفتنة إلى الأرض، ولقد كان عبد الله بن عمر محقًّا عندما قال لأولئك الذين جعلوا (السلطة) هدفًا لعملهم ونزاعهم: “قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله”[4].
الفريضة الغائبة:
وكما تبين لنا من السابق أن العمل على نزع السلطة أو منازعة أولى ليس فريضة من فرائض الدين، فإنه جدير بنا أن ننبه على أن الفريضة الحقيقة المطلوبة من الأمة الإسلامية هي “تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة” وهذا هو العمل الهام الذي تخلى عنه المسلمون في العصور المتأخرة.
يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: } وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً { [البقرة: 143].
ومعنى (الأمة الوسط) الأمة التي تقوم وسطًا بين الله وخلقه لتبليغ رسالته إليهم، ولتكون شهيدة عليهم يوم القيامة بذلك، كما يكون تمامًا الرسول محمد r شهيدًا على الأمة الإسلامية.
وقد اختار الله الأمة الإسلامية لتقوم مقام الرسول إلى يوم القيامة، كما اختار الرسل في الماضي لتبليغ رسالاته السماوية، وقد أمر الله الأمة الإسلامية بالجهاد في سبيل هذه المهمة: }وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ{ [الحج: 78].
وجهاد الأمة الإسلامية يكمن في بذل أقصى الجهود في تبليغ هذه الرسالة للناس ليتبين لهم طريقة الهداية الربانية كما هي في القرآن الكريم وهو نفس الجهاد الذي أمر الله به رسوله: } فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً{ [الفرقان: 52].
وكما هو معلوم في اللُّغة العربية أن معنى الجهاد هو: بذل الوسع والطاقة أو الجهد الشاق، وهو المطلوب الأساسي من أجل نشر رسالة الدين عن طريق الدعوة والمجاهدة بالقرآن حتى لا يكون لأحد حجة يوم القيامة بأنه يجهل الهداية الإلهية التي هي وسيلة الإنقاذ من عذاب الله والفوز بنعيم الجنة الأبدي. وهذا هو هدف شهادة الحق } لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ{ [النساء: 165].
وأسلوب الإنذار والتبشير هو الأسلوب الحقيقي الذي شرعه الله من أجل توضيح الرسالة القرآنية أيضًا وهو الذي اتبعه الرسول والصحابة التزامًا بتعاليم القرآن. } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً { [الأحزاب: 45، 46].
ولقد أمضى الرسول r حياته في سبيل تبليغ الرسالة الإسلامية بكل ما أوتي من جهد وقوة، وأمر أصحابه بأن يبلغوا عنه هذه الرسالة كما أراد الله: } قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي { [يوسف: 108].
العمل على ضوء الخطة الربانية:
إن أخطر ما يواجه الدعوة الإسلامية في العصر الحاضر هو الخصومة التي تنشأ باسم الدين وتحت راية الاحتجاج بمطالب دينية، إن الخصومة تتحول إلى عقبة كبرى أمام قيام الدعوة، والعالم العربي والإسلامي يقدم في العصر الحديث أمثلة شاهدة على ذلك فلقد نشأت خلال القرن حركات إسلامية وقفت في مستوى الخصم السياسي للحكومات، ولقد حدث بسبب هذا اصطدام كان من نتيجته فساد جو الدعوة والعمل الإسلامي، ولقد وصف أحد المفكرين هذا الواقع بالكلمات التالية:
“لم يحدث في تاريخ الإسلام بأكمله واقع مؤلم كهذا الواقع، وهو أن جميع الحركات الإسلامية رأت أن المواجهة السياسية هي المطلوب الوحيد فجعلت من الإسلام ندًا للسلطة”[5].
والسبب الأساسي لهذا الصدام يعود إلى تفسير الإسلام تفسيرًا سياسيًا وبالتالي تحولت كل الجهود والطاقات إلى ميدان السياسة الصدامية، ولا ريب أن هناك خطأ كبيرًا في فهم حقيقة الرسالة الإسلامية، وهي في جوهرها هداية الناس إلى خالقهم ودعوتهم لتوحيده وتنبيههم عن طريق الإنذار والتبشير بقضية اليوم الآخر حتى تقوم عليهم الحجة، وهذا هو معنى العمل في ضوء الخطة الربانية التي بيّنها القرآن لإنذار الناس من اليوم الآخر، وتبشيرهم بوعد الله الحق الجنة، ودعوتهم للإيمان والتوحيد الخالص، إن الآخرة ليست قضية هينة أو تافهة كما يظن كثير من المسلمين ونعني مفكريهم وزعمائهم بل هي أخطر قضية تواجه الوجود الإنساني، وجهنم هي الكارثة الكونية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال وصف أهوالها وما تحمله من هلاك بيّن هذه الحقيقة هي التي يسميها القرآن “الطامّة الكبرى” أو “النبأ العظيم” والحياة الدنيا عبارة عن ميدان اختبار ومن شروط الاختبار امتلاك الحرية، فالفساد الذي يواجهنا في هذا العالم مع أن الله يمقته ولا يحب أهله إلا أنه جاء نتيجة لامتلاك الإنسان حرية التصرف فهو لازم لسوء استعمال الحرية، ولقد أعلم الله ملائكته بذلك حين خلق الإنسان: } قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ { [البقرة: 30].
إن الذي أمهل رأس الشر والفساد في الأرض – وهو الشيطان – يمهل الذين يقتفون سلوك الشيطان، إن الشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ { [يونس: 25].
وأهل الإيمان ووَرثَة الرسالة الإلهية ينبغي أن يقوموا على مستوى الخطة الربانية، وليس على أساس ردود الفعل الوقتية وليس من الخطة الإلهية أن تكون الدنيا مجالاً للكمال البشري طالما أن حرية الإنسان واردة، وسوء استعماله للحرية يقوده للخطأ في كل حين لذلك فالمطلوب من المسلمين أن يصبروا كما صبر الله على ذلك كله، وأن يعملوا وفق هذه الأنبياء وهو الإنذار من يوم اللقاء: } يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ { [غافر : 15].
ويوم القيامة سيكون العذر قد قطع على الكفار، وذلك حين يواجهون الكارثة الرهيبة } وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى { [الزمر : 71].
وهكذا فإن الدعوة الإلهية عبارة عن إتمام الحجة على الناس، وفتح أبواب الرحمة الإلهية أمامهم عن طريق الإيمان والعمل الصالح، والداعية الرباني يصوغ فكره وسلوكه في ضوء الحقائق الأبدية العليا وليس في ضوء الانفعال الوقتي وردود الفعل الفورية، ولا يمكن تسمية ردود الفعل أو وصفها “بأنه جهاد في سبيل الله” إن تلك التسمية غير صحيحة مهما كانت النوايا الحسنة.
القرآن الكريم يذكر أن مسألة تمكين الأمة الإسلامية في الأرض يأتي كجزاء لوفائها بالهدف المطلوب منها، فهو إنعام يستحقه أهل الإيمان لوفائهم بمسؤلياتهم وللفظ القرآني الخاص بذلك الوعد.
}وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ{ [النور : 55].
وفي قصة نبي الله يونس عبرة عظيمة أمر الله بالاستفادة منها: لقد أرسل الله يونس إلى قرية نينوى في العراق الحالية، وبعد أن قضى يونس -عليه السلام- فترة من الزمن يدعوهم إلى التوحيد أعرضوا وكذَّبوا فتركهم قبل إقامة الحجة عليهم، ولقد فاجأه العقاب الإلهي ووجد نفسه في بطن الحوت } فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ  * لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ { [القلم : 48، 49]
وحين أنجاه الله من هذه المحنة ورجه إلى قومه لدعوتهم رفع الله بأسه عنهم بعد أن استجابوا وآمنوا: } فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ { [يونس : 98].
إن الله يتصف بالكمال ومن صفاته الحسنى (الرحمة) فهو رحمن رحيم ومن رحمته إنجاء عباده بكل وسيلة للهداية حتى يكونوا من أصحاب الجنة: } وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ { [يونس : 25].
ومما يتعارض مع صفة الرحمة ترك الناس بدون هداية الرسل: } وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً { [الإسراء: 15].
وحين لا يقوم أتباع الرسول الخاتم بدور الهداية فكيف يستحقون من الله التمكين والنصر والعصمة من أعدائهم، ولقد جعل الله العصمة في تبليغ الرسالة؟!
} يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ { [المائدة : 67].
إن عمل الدعوة وتبليغ الرسالة أهم الأعمال عند الله لأنها السبيل للعذر وإقامة الحجة وفي الحديث:”لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين”[6].
ولا زال أتباع الرسول العربي هم المسئلون عن ذلك في كل مكان ومعلوم أن إتمام الحجة، وإقامة الشهادة لا يتم إلا بالجهاد في تبليغ هذه الرسالة عن طريق الإنذار والتبشير أسوة بعمل الرسول حتى يتهيأ لكافة الناس الاستعداد لليوم الآخر عن طريق الإيمان والعمل الصالح، وحين يتخلى المسلمون عن أداء هذا العمال الصالح، وحين يتخلى المسلمون عن أداء هذا العمال الهام لن يكون لأي عمل آخر أهمية عند الله، والقرآن قد نَبَّه على أن اللعنة تحيق بمن يقترف جريمة الكتمان للبينات بعد نزولها:
} إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ { [البقرة: 159].
<BR cl

Read Full Post »

ثانيًا: توحيد الألوهية:
وهو الذي يلزم أو يأتي تبعاً لتوحيد الربوبية فهو الأخص وإذا كان توحيد الربوبية يتعلق بإثبات الخالق وأفعاله وصفاته فتوحيد الإلوهية يتعلق بإثبات الخالق وأفعاله وصفاته، فتوحيد الألوهية يتعلق بأفعال العبد تجاه خالقه وربه الذي آمن به، والإلوهية -باللغة – بمعنى العبادة وهي المطلوب الأصلي من العبد تجاه ربه، هي أصل الدعوة الإسلامية عند كافة الرسل: } وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ { [الأنبياء : 25].
ومعنى (لا إله إلا الله) لا معبود بحق سوى الله، وعندما يقر العبد بصدق هذه الحقيقة فإنّه يكون نفى عن نفسه الشرك وأثبت أن العبادة والإلوهية من حق الله وحده، أي لا ينبغي أن تصرف لغير الله، والعبادة بمعنى التذلل والخضوع للمعبود وتشتمل على الحب والخشية فالعبادة واقع شعوري ولا يمكن أن تكون عبادة المسلم ناقصة أو غير مقبولة عند الله إذا لم يكن الحكم بالشريعة قائمًا، يقول الإمام ابن تيمية: “وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ فإن المسلم لو أسره أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالأيمان لم يضره ذلك وأما من استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله فهذا يضره ولو كان في الظاهر ملك الناس”[1].
وكما نلاحظ أن دعوة الرسل تقوم على أساس إثبات توحيد الربوبية والإلوهية معًا، وكان الأسلوب الذي انتهجوه هو إثبات الربوبية لإثبات الإلوهية كما هو في حوار موسى -عليه السلام- مع فرعون: } قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ  * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ  * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ  * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ  * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  * قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ  * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ { [الشعراء:23-29].
يُعَلّق ابن كثير على هذا الحوار: يقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في وقله: } وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ { وذلك أنه كان يقول لقومه } مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي { [القصص:38]. } فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ { [الزخرف:54].
وكانوا يجحدون الصانع -جل وعلا- ويعتقدون أنه لا ربَّ لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: إني رسول رب العالمين قال له فرعون: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري! هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف حتى قال السُّدي: هذه الآية كقوله تعالى: } قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى  * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى { [طه: 49، 50].
ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأل عن الماهية بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر[2].
والقرينة التي يسوقونها أيضًا للتدليل على نظرية الحاكمية قوله تعالى: } إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ { [الأنعام:57].
وقوله: } قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ { [آل عمران:154]. ومعلوم أن الأمر في مثل هذه السياقات لا يقصد به (الحكم السياسي) أو القانوني، بل هذه صفة من صفات الربوبية للخالق، وتعني مطلق القدرة على التصرف والقضاء في مخلوقاته، وهو ما يسميه الإمام ابن تيمية وغيره “الأمر القدري أو الحكم الكوني” وهو غير الحكم الشرعي، ويقول الإمام ابن كثير في تفسيره للآية: } إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ { في سورة يوسف -عليه السلام-: أخبرهم -يوسف لصاحبيه في السجن- إن الحكم والتصرف والمشيئة كله لله” [تفسير ابن كثير]، ولهذا لا يصح القول إن هؤلاء الحكام اغتصبوا (حكم الله) لأن حكم الله المطلق بيده، وهي صفة من صفات الربوبية } وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً { [الكهف : 26].
ولو سلمنا بتأويل هؤلاء المفكرين لصار الأمر لغير الله، ولصار الحكم بيد البشر، ولو كان ذلك حقيقيًا كما يزعم هؤلاء المفكرين إذن لكانوا أربابًا فعلًا، وهذا كما هو واضح عند كل المفسرين المتدبرين في القرآن قياس فاسد، وهو قياس لا يقول به إلا من جعل معنى (الحكم) في الآيات (الحكم السياسي) أو (الملك الأرضي) الذي هو بيد الله وليس بيد غيره حسب منطوق الآية: } قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ { [آل عمران :26].
ويقدم المودودي قرينه أخرى في غير سياقها، وهي الآية التالية -في وصف أهل الكتاب “النصارى”: } اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ { [التوبة :31].
وعبادة أهل الكتاب لأحبارهم ورهبانهم -كما فسَّرها الرسول r لعدي بن حاتم الطائي-:”بلى إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحلّوا لهم الحرام فاتَّبعوهم؛ فتلك عبادتهم إياهم”[3].
إن أهم نقطة في خطأ الاستدلال بهذه الآية لتدعيم نظرية الحاكمية، أن العبادة المشار إليها صرفت للأحبار والرهبان أي رجال الدين عند النصارى وليس لذوي السلطة فيهم لسبب واضح جليّ وهو أن الطاعة الدينية تقدم لمن يفترض فيهم القدسية والعصمة، وهي انحراف خطير وقع في أهل الكتاب لتقديسهم الآية يؤيد هذا الواقع: “كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه فقالوا لن نسبق أحبارنا بشئ فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم؛ فاستصحبوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم”. (الإيمان:64)
فهذا الحكم ينطبق على رجال الدين بالدرجة الأولى ولهذا يقول أحد العلماء المعاصرين: “والحق أن قداسة أولى الأمر أو عصمتهم أو الظن أن أوامرهم كأوامر الله تعالى أو أن لهم أن يحلّوا ما حرمه الله أو يحرموا ما أحله الله ذلك كله معدوم الوجود بين غالب المسلمين”[4].
وكما أدى الاستدلال بالآية السابقة إلى إلصاق “الشرك” بالمسلمين المعاصرين استدلوا بالآية: } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ { [المائدة :44].
فزعموا على ضوء هذه الآية أن الحاكم بغير ما أنزل الله قد كفر فهو “طاغوت” وقالوا: إن الكفر بالطاغوت لازم (ومن لم يحكم بكفر هذا الأخير فهو بدوره لم يحكم بما أنزال الله فهو كافر)، ولقد ذكر الإمام ابن تيمية في صدد تأويل هذه الآية قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: } وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ { قالوا كفر لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة”[5].
ولقد أورد الطبري رواية عن طاوس بن كيسان عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قوله: } وَمَن لَّمْ يَحْكُم … { قال: به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء أ،ه قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم[6].
نتيجة التفسير الخاطئ:
وفي ضوء التفسير السابق تقدم صاحب الظلال ليطلق صفة الجاهلية على كل المجتمعات الإنسانية المعاصرة بما في ذلك المجتمعات المسلمة التي تدين بالإسلام، ولكن هذا الإسلام عند صاحب الظلال لا يعترف به ولا مشروعيته له: “إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره”[7].
ويقدم صاحب الظلال تعريفًا للمجتمع الجاهلي في ضوء “نظرية الحاكمية”:
“وهو كُلُّ مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده متمثلة هذه العبودية في التصور الإعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي الشرائع القانونية وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض”[8].
ويضع المؤلف كافة المجتمعات القائمة اليوم في مستوى واحد من الجاهلية:
“المجتمعات الشيوعية والوثنية … واليهودية والنصرانية .. وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنه مسلمة”[9].
والمجتمع الجاهلي في نظر المؤلف ليس تعبيرًا رمزيًا أو صفة مجازية بل تعبير محدد يعني “الشرك” وهو الشرك نفسه الذي كان عليه أهل الجاهلية الأولى، يقول المؤلف: “وهذا ما ينبغي أن يتبينه الذين يريدون أن يكونوا مسلمين فلا تخدعهم عن حقيقة ما هم فيه خدعة أنهم مسلمون اعتقادًا وتعبيدًا؛ فإن هذا وحده لا يجعل الناس مسلمين ما لم يتحقق أنهم يفردون الله سبحانه بالحاكمية، ويرفضون حاكمية العبيد ويخلعون ولاءهم للمجتمع الجاهلي لقيادته الجاهلية، إن كثيرًا من الطيبين تخدعهم هذه الخدعة … وهم يريدون لأنفسهم الإسلام ولكنهم يخدعون عنه، فأولى لهم أن يستيقنوا صورة الإسلام الحقيقية .. والوحيدة وأن يعرفوا أن المشركين من العرب الذين يحملون اسم المشركين لم يكونوا يختلفون عنهم في شئ فلقد كانوا يعرفون الله بحقيقته كما تبين ويقدمون له شفعاء من أصنامهم، وكان شركهم الأساسي يتمثل -لا في الاعتقاد- ولكن في الحاكمية”[10].
وهكذا يتبين مدى الانحراف الفكري الذي وقع فيه المؤلف، والواقع أن إطلاق صفة الجاهلية المطلقة على المجتمعات المسلمة لم يحدث له نظير في التاريخ الإسلامي بأسره إلا عند طائفة واحدة هي طائفة الخوارج والغلاة منهم خاصة أنه من المسلم به أن تكون بعض شعب الجاهلية أو سننها قد وجدت أو توجد في المجتمعات المسلمة في وقت ما ولكن أن توضع كافة المجتمعات المسلمة على قدم المساواة مع المجتمعات الجاهلية المشركة قديمًا أو حديثًا، فهو تجاوز لحدود العدل والقصد وأحرى بالمسلم كائنًا من كان أن يتوقّى هذا الغلو.
يقول الإمام ابن تيمية:
“فالناس قبل مبعث الرسول r كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جهّال، وإنما يفعله جاهل وكذلك ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية نصرانية فهي جاهلية … وتلك كانت الجاهلية العامة فأما بعدما بعث الله الرسول r فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد محمد r”[11].
ولخطورة الحكم بالشرك أو الكفر على المسلمين فلقد حذر الرسول r من ارتكاب هذا الخطأ الذي يؤدي إلى اقتراف جريمة قتل المسلمين بدون حدود فلقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن حذيفة بن اليمان t قال، قال رسول الله r:”إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك” قال حذيفة: قلت يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي قال: “بل الرامي”[12].
وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال رسول الله r: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان ما قال، وإلا رجعت عليه”[13].
وقال الرسول يحذر من استباحة دماء المسلمين:
“من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه”[14].
الرسالة السياسية:
ومع أهمية ووجوب العمل من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية عند وجود حرية الاختيار الاجتماعي للمجتمع الإسلامي فأنه ينبغي ملاحظة الفرق بين الدين الأساسي وهو التوحيد مثل الدين المتفق عليه بين كافة الرسل والأنبياء الذي أمر الله بإقامته وعدم التفرق فيه: } أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ { [الشورى: 13].
} وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ { [البينة : 5].
ومن بين الأمور الفرعية للدين كالرسالة السياسية وهي التي اصطلح عليها العلماء “الإمامة” وباتفاق وإجماع الأمة إن نظرية الإمام ليست من أصول الدين بل من الأمور الاجتهادية، وهي ليست من العقائد بل من الفروع، ولقد رد الإمام ابن تيمية على من زعم أن قضية الإمامة أهم المطالب في الدين وأحكم المسائل فقال: “بأنه كذب بإجماع المسلمين سنّيهم وشيّعيهم بل هو كفر فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة”[15].
وقال أيضًا: “إنها ليست من أركنا الإسلام الخمسة ولا من أركان الإيمان الستة ولا هي من أركان الإحسان”[16].
ولهذا السبب فإن الخلاف في الإمامة لا يقتضي الكفر والإيمان: واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعيّنها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شئ منه التكفير[17].
ويقول الغزالي أيضًا: إن نظرية الإمامة ليست من المهمات (الأصول) وليست من فن المعقولات، بل من الفقهيات (الأمور الاجتهادية)[18].
ويقول الإمام الجويني إمام الحرمين: “إن الكلام في الإمامة ليس من أصول الاعتقاد”[19].
لقد بدأت دعوة الرسول في مكة وقامت أساسًا على التوحيد ولم يؤثر عن الرسول r أن طرح قضية السياسة على قريش أو على من أسلم معه، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: “من المتواتر أن الكفار على عهد رسول الله r كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الإسلام ولم يذكر لهم الإمامة بحال ولا نقل هذا عن الرسول r أحد من أهل العلم لا نقلًا خاصًّا ولا عامًّا، بل نحن نعلم بالاضطرار أن النبي r لم يذكر للناس إذا أرادوا الدخول في دينه الإمامة لا مطلقًا ولا معينًا فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين” [20].
والحقيقة أن خصومة ختم الرسل لقريش لم تكن حول من يحكم، ولم تكن سياسية بل هي واضحة كما أعلنها القرآن: الإنذار من اليوم الآخر والدعوة إلى التوحيد والإيمان برسالته ومساعدته لتبليغها للناس كافة وحين عرضت قريش على الرسول أن يكف عن الدعوة للتوحيد مقابل الموافقة على أي مطلب آخر يريده قال الرسول: “ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني رسولًا وأنزل عليَّ كتابًا وأمرني أن أكون بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم”<SPAN style=”FONT-SIZE: 22pt; FONT-FAMILY: ‘Times New Roman’; mso-bidi-font-size: 18.0pt; mso-fareast-font-family: ‘Times New Roman’; mso-ansi-language: EN-US; mso-fareast-language:

Read Full Post »